فخر الدين الرازي
271
القضاء والقدر
النوع التاسع للقوم الآيات الدالة على أنه تعالى لا يظلم أحدا من عباده . قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ . لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً « 1 » وقال : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 2 » وقال : وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 3 » قالوا : لو أن اللّه تعالى خلق الكفر في الكافر ، ثم يعاقبه عليه ، لكان ظالما بل نقول على مذهب الجبرية : لا ظالم إلا اللّه . لأن أحدا لما لم يفعل شيئا البتة ، لم يكن أحد ظالما ، بل نقول : ليس في أنواع الظلم أوضح من أن يؤاخذ الواحد منا عبده بما يفعله فيه ، ولا أقبح من أن يعاقبه على ما لم يفعله . فلو لم يقل : إن هذا ظلم ، لم يكن في تنزيه اللّه عن الظلم فائدة . إذ لا نعقل عن كونه ظالما إلا هذا . والجواب : إن الظلم هو التصرف في ملك الغير « 4 » ، وإذا كان ما سوى اللّه تعالى لم يكن في تصرفه في ملكه ظالما فكيف يكون اللّه ظالما . واللّه أعلم
--> ( 1 ) سورة يونس الآية 44 . ( 2 ) سورة النحل الآية 118 . ( 3 ) سورة ق الآية 29 . ( 4 ) قال الراغب في « مفردات غريب القرآن » : والظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه ومن هذا يقال ظلمت السقاء إذا تناولته في غير وقته ويسمى ذلك اللبن الظليم » ( ص 315 ) . وكذا في لسان العرب هو وضع الشيء في غير موضعه « وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد . . والظلم والميل عن القصد تقول : الزم هذا الصوب ولا تظلم عنه أي لا تجر عنه » ( 4 / 2756 ) . وقد يكون الظلم بمعنى المنع والنقص كما في قول اللّه تعالى كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً . وعند المتكلمين الظلم التصرف في ملك الغير . ( أصول الدين ص 132 - ، والتعريفات للجرجاني 186 ، والكليات لأبي البقاء 3 / 176 ) .